حماية خطاب الإمام في امتداد الزمن (القسم الثاني)

ID: 87366 | Date: 2026/09/14

من حفظ التراث إلى فهم التراث



تشكلت مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني (رض) بهدف حفظ تراث الإمام وتنظيمه ونشره. وكانت هذه المهمة منذ البداية ضرورة تاريخية؛ إذ إن كل شخصية مؤثرة، ولا سيما شخصية بحجم نشاط الإمام الخميني، تترك وراءها مجموعة ضخمة من الوثائق والكتابات والخطب والرسائل والذكريات والروايات التي ستتعرض للتشتت أو التحريف أو النسيان من دون نظام منسجم لجمعها وصيانتها.



وفي العالم أيضًا، أُنشئت مراكز وثائق ومكتبات ومؤسسات ومعاهد بحثية للعديد من القادة السياسيين والاجتماعيين والعلميين. ولا تزال بعض هذه المؤسسات ناشطة بعد عقود من وفاة الشخصية المعنية، وهي لا تكتفي بحفظ آثارها، بل تهيئ أيضًا المجال لإجراء أبحاث جديدة والتثقيف العام والحوار العلمي حول تراثها.



أما في ما يتعلق بالإمام الخميني، فإن المهمة تتجاوز «حفظ الماضي». فإذا تحول تراث الإمام إلى مجرد مجموعة من الكتب والوثائق والصور المحفوظة في الأرشيفات، فسيُفقد جزء مهم من طاقته. فالتراث الفكري يكون حيًا عندما يستطيع الدخول في حوار مع الحاضر.



وهنا ينبغي التمييز بين مفهومين: «حفظ التراث» و«تفعيل التراث». فحفظ التراث يعني ضمان أصالة الوثائق، وجمع المصادر، وتصحيح النصوص، وتسجيل الذكريات، ومنع تحريف المصادر وضياعها. أما تفعيل التراث فهو المرحلة التالية؛ أي استخراج المفاهيم بصورة منهجية، وتحديد المبادئ الأساسية، وربطها بالأسئلة اليومية، وتقديمها في قوالب مفهومة للجمهور المعاصر.



إن هذا التحول يدخل المهمة البحثية للمؤسسات المرتبطة بالإمام في مرحلة جديدة. فلم يعد السؤال فقط: «ماذا قال الإمام؟» بل ينبغي أن نسأل: ما منطق ذلك القول؟ وعلى أي مبادئ استند؟ وفي أي ظروف قيل؟ وما علاقته بقضية اليوم؟



ومن دون الإجابة عن هذه الأسئلة، يظل خطر اختزال فكر الإمام في مجموعة من العبارات المنفصلة والمناسباتية قائمًا؛ وهي جمل تتكرر مرارًا، لكن ارتباطها بقضايا المجتمع الواقعية لا يكون واضحًا للجيل الجديد.



ضرورة تبيين «الإمام اليوم»



الأجيال الجديدة لا تملك تجربة معايشة جيل الثورة. فهي تعرف الإمام، لا من خلال الحضور المباشر، بل عبر الإعلام والكتاب والصورة والروايات العائلية والنظام التعليمي والفضاء الافتراضي. وهذا الاختلاف ليس مجرد اختلاف بين الأجيال، بل يغير أيضًا طريقة انتقال المعنى.



فالجيل الذي نشأ في بيئة مليئة بالمعلومات والروايات المتعارضة وشبكات التواصل الاجتماعي، لا تكفيه وحدها أساليب نقل المحتوى التقليدية. فالجمهور المعاصر يطرح الأسئلة ويقارن ويضع المصادر المختلفة إلى جانب بعضها بعضًا، ويبحث عن الصلة بين الفكر والقضايا الملموسة في حياته.



ومن هنا، إذا أردنا أن يتعرف جيل اليوم إلى الإمام، فعلينا أن نتمكن من الانتقال من «الإمام التاريخي» إلى «الإمام القابل للحوار مع الحاضر».



وهذا التعبير لا يعني تغيير فكر الإمام أو فرض قضايا اليوم على نصوص الماضي. بل إن الشرط الأساسي لمثل هذا العمل هو الوفاء الدقيق للمصادر. والمقصود هو أن تُستخرج أولًا المبادئ والأطر الأساسية لفكر الإمام بصورة علمية، ثم تُدرس علاقتها بالأسئلة الجديدة.



فعلى سبيل المثال، إن مفاهيم مثل الاستقلال، والعدالة، ودور الشعب، ومسؤولية الحكومة، والأخلاق السياسية، والثقة بالنفس، ومكافحة الهيمنة، وبساطة عيش المسؤولين، وخدمة المحرومين، والعلاقة بين الدين والمجتمع، والمسؤولية الاجتماعية للنخب، ليست مجرد كلمات تنتمي إلى مرحلة تاريخية معينة. ويمكن لكل واحد منها أن يواجه في الظروف الجديدة أسئلة ومصاديق مختلفة.


----------


القسم العربي، الشؤون الدولية، موقع جماران الاخباري.