أقيمت الندوة الثانية «الإمام اليوم؛ إمام التحوّل» برعاية معاونية البحث والتعليم والتخطيط الاستراتيجي في المؤسسة.
وشارك في هذه الندوة كلٌّ من الدكتورة فاطمة طباطبائي، وحجّة الإسلام والمسلمين الدكتور محسن الویري، أستاذ جامعي ومدرّس الحوزة العلمية، والدكتور كيومرث اشتريان، أستاذ جامعي وباحث سياسي، حيث طرحوا رؤاهم حول الفكر الداعي إلى التحوّل لدى الإمام الخميني (قدس سره)، ومتطلبات إعادة قراءة هذا الفكر، ومدى ارتباطه بقضايا وظروف العصر الراهن.
كما تناول حجّة الإسلام والمسلمين الدكتور علي كمساري، رئيس مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني (قدس سره)، ضرورة تحويل فكر الإمام إلى سياسات عملية ونماذج للحكم.
وقد عُقدت هذه الندوة الثانية ضمن سلسلة ندوات «الإمام اليوم؛ إمام التحوّل» الفكرية، بهدف توضيح وتحليل فكر الإمام الخميني (قدس سره) وسيرته، ودراسة إمكاناته وقدراته في الاستجابة لقضايا المجتمع واحتياجاته الراهنة.
الدكتورة فاطمة طباطبائي: يجب أن نعيد قراءة فكر الإمام بصورة صحيحة
أكدت الدكتورة فاطمة طباطبائي، قرينة الإمام الخميني (قدس سره)، خلال الندوة، ضرورة إعادة قراءة فكر الإمام الخميني بصورة منهجية، وأعربت عن ارتياحها لجهود المؤسسة في إعداد حزم السياسات العامة.
وأشارت إلى هذا الهاجس الشخصي لديها، المتمثل في ضرورة جمع الأفكار المتفرقة في الذهن وتنظيمها وصياغتها بصورة منهجية، مذكّرةً بخصائص شخصية الإمام الخميني، ومنها «العقل الفلسفي الناقد، والذكاء والفطنة». وأوضحت أن ما كان يجذبها إلى الإمام هو تجلّي الإيمان في سلوكه، والارتباط العميق بين الفكر والعمل.
وقالت طباطبائي إن الإمام كان يؤمن بأن «الدين، إلى جانب الآخرة، مفيد أيضاً لحياة الإنسان الدنيوية»؛ ولذلك «ينبغي بناء هذه الدنيا بطريقة تضمن سعادة الإنسان وأمنه».
وأضافت أن الإمام لم يكن متردداً في مواجهة التحولات الاجتماعية، لأن قراراته كانت قائمة على أسس عقلانية، مؤكدةً أن الإمام كان يسعى إلى «تأسيس مجتمع تتحول فيه المعتقدات الدينية إلى مبادئ وأوامر للحكم».
كما أوضحت أن الإمام كان يتطلع إلى إقامة مجتمع توحيدي وعقلاني يخلو من السلوكيات السيئة، مثل الغيبة والافتراء والنفاق، وأضافت: «إذا أردنا تطبيق هذا الفكر في المجتمع، فعلينا أن نوضح بصورة صحيحة نطاق الدين ودوره في الحياة الفردية والاجتماعية، وإلا فلن نتمكن من الاستجابة لاحتياجات الإنسان المعاصر».
وأشارت كذلك إلى موقف الإمام في بداياته من دخول علماء الدين إلى السياسة، موضحةً أن الإمام لم يكن في البداية مؤيداً لدخول رجال الدين بصورة مباشرة في السياسة، لأنه كان يرى أن عليهم أن يبقوا ملجأً للناس وداعماً لهم.
وبحسب طباطبائي، كان الإمام يؤكد أن على علماء الدين أن يؤدوا دورهم التحرري في المجتمع، إلا أن الابتعاد عن هذه المبادئ الأصيلة أدى إلى تبعات سلبية على المجتمع.
وفي ختام حديثها، رحبت بإقامة هذه الجلسات، مؤكدةً: «يجب أن نعيد قراءة فكر الإمام بصورة صحيحة، لكي يتمكن علماء الدين من أداء دورهم التحرري في مجتمع اليوم من جديد».
كما أكدت طباطبائي:
«لا ينبغي للعمل الإداري والبيروقراطي أن يحلّ محلّ استخراج الفكر الأصيل والتشخيص الدقيق للمشكلات».
اشتريان: يجب أن يتحول فكر الإمام من خلال «صناعة السياسات الخطابية» إلى قضايا وسياسات
أكد الدكتور كيومرث اشتريان، الأستاذ الجامعي والباحث السياسي، ضرورة تحويل أفكار الإمام الخميني (قدس سره) إلى سياسات عملية، معتبراً أن «صناعة السياسات الخطابية» هي المسار الأساسي لدخول النظرية إلى مجال وضع السياسات.
وأوضح أن دخول أي نظرية إلى مجال السياسات، ولا سيما في المجال الثقافي، لا ينبغي أن يتم فقط مخلال اللوائح والنماذج الاستراتيجية للتخطيط وأدوات تحليل السياسات المتعارفة، بل إن المسار الأساسي هو «صناعة السياسات الخطابية».
وبيّن أن الخطاب أو النظرية ينبغي أولاً أن يتحول إلى «منظومة دلالية» تتشكل فيها العبارات والمفاهيم والمقولات الأساسية، إلا أن تحويل هذه المنظومة الدلالية إلى عملية وسياسة يتطلب نوعاً من «الهندسة العكسية»، أي تشخيصاً للمشكلات قائماً على الخطاب نفسه وموجهاً نحو النظرية ذاتها.
وأشار إلى أن تشخيص المشكلات ليس منفصلاً عن النظرية، بل هو دائماً قائم على إطار نظري؛ فمثلاً، إذا جرى تحليل مؤسسة الإذاعة والتلفزيون من منظور النظرية الليبرالية، فسيتم قياس مدى مراعاة الحقوق الفردية والحريات الأساسية، بينما إذا نُظر إليها من منظور النظرية الاشتراكية، فسيتم تحليل كيفية إعادة إنتاج العلاقات الطبقية ونظام الملكية في المجال الإعلامي.
واعتبر أن المشكلة الأساسية في عدم تحويل الأفكار الجيدة إلى سياسات تكمن في غياب تشخيص المشكلات وتحليل الأضرار على أساس الخطاب نفسه، قائلاً إننا نكتفي بالترويج العام لمفاهيم مثل المعنوية والعدالة من منظور الإمام، ولا ننتقل إلى «الهندسة العكسية» وتحويلها إلى تشخيص للمشكلات؛ ولذلك لا يتحول الخطاب إلى سياسة.
كما أرجع جزءاً من هذا العجز إلى عوامل فنية ونقص مهارات وضع السياسات، فيما رأى أن الجزء الأهم متجذر في «الاقتصاد السياسي».
وأشار بعد ذلك إلى كتابه المعنون «المتغير الاستراتيجي للثقافة»، واعتبر «خطاب المعنوية» لدى الإمام الخميني (قدس سره) بمثابة «المظلة الرئيسية» والإطار الاستراتيجي للثقافة، الذي يمكن أن يستوعب سائر العناصر والمكونات الاستراتيجية للثقافة.
واعتبر أن محور فكر الإمام الخميني هو «المعنوية»، مؤكداً أن الهوية الأساسية للثورة الإسلامية هي أيضاً هوية معنوية.
ثم تناول اشتريان تحليل مؤسسة علماء الدين، مستفيداً من مفاهيم علم الاجتماع، وهي «الوظيفة والدور والهوية»، موضحاً أن تغير وظائف وأدوار علماء الدين بعد الثورة ودخولهم إلى المجال السياسي أدى إلى «اضطراب هوياتي» لدى علماء الدين باعتبارهم الحاملين الأساسيين لخطاب المعنوية لدى الإمام.
وذكر أربعة أنماط أو «أنماط مثالية» لعلماء الدين:
علماء الدين التحرريون العلميون؛
علماء الدين الفقهيون التأسيسيون؛
علماء الدين الشعائريون والمنبريون؛
علماء الدين الأمنيون.
وفي ختام حديثه، اعتبر أن معيار تحول الفكر إلى «مدرسة فكرية» يتضمن «حل المشكلات»، و«الكفاءة والفاعلية»، و«الارتباط بالتشخيص الجاد للمشكلات الاجتماعية»، مؤكداً أن «العدالة» في فكر الإمام الخميني تُعرَّف أيضاً في إطار خطاب المعنوية.
الویري: إعادة قراءة فكر الإمام الخميني في عالم يشهد تحولات متسارعة ضرورة لا مفر منها
أكد حجّة الإسلام والمسلمين الدكتور محسن الویري، الأستاذ الجامعي ومدرّس في الحوزة العلمية، خلال الندوة، على مكانة فكر الإمام الخميني وسيرته، معتبراً أن إعادة قراءة هذا الفكر بما يتناسب مع تحولات العالم المعاصر ضرورة لا مفر منها.
وأشار إلى أن الثورة الإسلامية عام 1979 كانت نقطة تحول في الحركات الإصلاحية المعاصرة، قائلاً: «لم تحوّل هذه الثورة الفكر الإصلاحي للإمام الخميني إلى حكومة ومؤسسات فحسب، بل كانت بداية لحركة متنامية في العالم الإسلامي ومقدمة لتحولات حضارية على الساحة العالمية».
وأكد أن فكر الإمام الخميني وسيرته ينبغي أن يُنظر إليهما باعتبارهما «آية محكمة» و«نجماً هادياً» في جميع المجالات الفكرية والتنفيذية للثورة، موضحاً أنه كما نرجع إلى الآيات المحكمات لفهم الآيات المتشابهة، ينبغي أن يكون فكر الإمام معياراً لتقييم الأفكار والسلوكيات.
وأشار إلى أربعة ملامح رئيسية للعالم الذي يشهد تحولات متسارعة، وهي: «العطش إلى المعنى»، و«ظهور الإنسان الجديد»، و«التحول في المفاهيم الأساسية»، و«تحولات الحضارات»، وأضاف: «في مثل هذه الظروف، تصبح إعادة قراءة فكر الإمام الخميني ضرورة لا مفر منها».
وطرح أربعة مقترحات استراتيجية لمواصلة هذا المسار:
إعادة قراءة المحاور الأساسية لفكر الإمام في مجالات مثل دراسة الدين، والفقه، والسياسة، ودراسة الإنسان، ونظام علماء الدين؛
صياغة آراء الإمام في إطار نظري بما يتيح المقارنة العلمية والنخبوية؛
إعداد موسوعة منهجية وشاملة لفكر الإمام؛
توفير أرضية للحوار الداخلي بين الأديان والحوار بين الأديان، ولا سيما مع الحضارات الإسلامية وحضارات الهند والصين وروسيا.
كما أكد الویري ضرورة إجراء تحول أساسي في أنشطة المؤسسة، داعياً إلى الابتعاد عن الأعمال الروتينية والتركيز على فئتين رئيسيتين من المخاطَبين، وهما الطلاب وصنّاع السياسات العليا.
كمساري: يجب ترجمة فكر الإمام إلى لغة السياسات والحكم
أكد حجّة الإسلام والمسلمين الدكتور علي كمساري، رئيس مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني (قدس سره)، في القسم الختامي من الندوة، أن الانتقال من مجرد طرح النظريات إلى تحويل فكر الإمام الخميني إلى سياسات عملية ونماذج للحكم يمثل أحد أهم قضايا اليوم.
وقال: «إن القضية التي لا تُصاغ بصورة منهجية في إطار نظرية، لا يمكن أن تتحول إلى سياسة، وبالتالي لن يكون من الممكن تنفيذها».
وأشار إلى الظروف الخاصة التي مرت بها المؤسسة خلال السنوات الأخيرة، بدءاً من فترة جائحة كورونا وصولاً إلى الاحتجاجات والتحولات الاجتماعية والظروف المعقدة الراهنة، مؤكداً أن أجهزة صنع السياسات يجب أن تتعامل مع الواقع من خلال معرفته وقبوله، وأن تتابع القضايا بجدية، لا بلغة الشعارات.
وأشاد بكلمات الأساتذة المشاركين في الندوة، مؤكداً أن ما يكتسب أهمية أكبر اليوم هو ظهور أثر الإمام الخميني وفكره في سياسات البلاد.
وأضاف رئيس مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني أن «الإمام اليوم لا يزال حياً ومؤثراً، وإذا لم يحضر هذا الفكر في مجالات الحكم وصنع السياسات، فإن الفجوة بين ما كان الإمام يقوله ويريده وبين الواقع القائم ستزداد يوماً بعد يوم».
وأوضح أن هذه الفجوة لا تعني انحراف النظام، وقال إن الجمهورية الإسلامية تحتل مستوى مرتفعاً في بعض المجالات، مثل العزة والاستقلال ومناهضة الاستكبار، إلا أننا ابتعدنا في العديد من المجالات عن الأفق الفكري والعملي للإمام.
واعتبر كمساري أن القضية الأهم أمام المؤسسة هي كيفية ترجمة فكر الإمام إلى لغة السياسات والحكم، وقال: «إن عدالة الإمام والمفاهيم الأساسية الأخرى في فكر الإمام لم تتحول بعد بصورة صحيحة إلى نموذج للحكم، وربما يعود أحد جذور هذه المشكلة إلى عدم تحويل المفاهيم إلى نظريات».
وأعلن أن المؤسسة تعمل على إعداد حزم للسياسات العامة، وكذلك وثيقة للحكم الشعبي من منظور الإمام، بحيث تُقدَّم هذه الموضوعات في إطار قابل للاستخدام والاستفادة من جانب المجالس العليا وسائر الجهات.
وأكد في الختام ضرورة صياغة نموذج «مرن تماماً، منخفض التكلفة، موجّه نحو حل المشكلات، وذا مخرجات عملية»، بحيث يستطيع تحويل المناقشات النظرية إلى أدوات واقعية قابلة للاستفادة منها في مجال الحكم.
----------
القسم العربي، الشؤون الدولیة.